سيد محمد طنطاوي

82

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

سبعون ألف ملك ، وإن الملك منهم ليقول هكذا - أي : ليفعل هكذا - فيلقى سبعين ألفا في النار « 1 » . ثم بين - سبحانه - الأسباب التي أدت بهذا الشقي إلى هذا المصير الأليم فقال : * ( إِنَّه كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّه الْعَظِيمِ ، ولا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) * . أي : إن هذا الشقي إنما حل به ما حل من عذاب . . لأنه كان في الدنيا ، مصرا على الكفر ، وعلى عدم الإيمان باللَّه الواحد القهار . . وكان كذلك * ( لا يَحُضُّ ) * أي : لا يحث نفسه ولا غيره * ( عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ) * أي : على بذل طعامه أو طعام غيره للمسكين ، الذي حلت به الفاقة والمسكنة . ولعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر ، أن أقبح شيء يتعلق بالعقائد ، وهو الكفر باللَّه - تعالى - وأن أقبح شيء في الطباع ، هو البخل وقسوة القلب . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ، بزيادة البيان للمصير الأليم لهذا الشقي فقال : * ( فَلَيْسَ لَه الْيَوْمَ ) * أي : يوم القيامة * ( هاهُنا حَمِيمٌ ) * أي : ليس له في هذا اليوم من صديق ينفعه ، أو من قريب يشفق عليه ، أو يحميه ، أو يدفع عنه . * ( ولا طَعامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ ) * أي : وليس له في جهنم من طعام سوى الغسلين وهو صديد أهل النار . . أو شجر يأكله أهل النار ، فيغسل بطونهم ، أي : يخرج أحشاءهم منها ، أوليس لهم إلا شر الطعام وأخبثه . * ( لا يَأْكُلُه ) * أي : الغسلين * ( إِلَّا الْخاطِؤُنَ ) * أي : إلا الكافرون الذين تعمدوا ارتكاب الذنوب ، وأصروا عليها ، من خطئ الرجل : إذا تعمد ارتكاب الذنب . فالخاطئ هو من يرتكب الذنب عن تعمد وإصرار . والمخطئ : هو من يرتكب الذنب عن غير إصرار وتعمد . وهكذا . نجد الآيات الكريمة قد ساقت أشد ألوان الوعيد والعذاب . . للكافرين ، بعد أن ساقت قبل ذلك ، أعظم أنواع النعيم المقيم للمؤمنين . وبعد هذا العرض - الذي بلغ الذروة في قوة التأثير - لأهوال يوم القيامة ، ولبيان حسن عاقبة المتقين ، وسوء عاقبة المكذبين . . بعد كل ذلك أخذت السورة في أواخرها ، في تقرير حقيقة هذا الدين ، وفي تأكيد صدق الرسول صلى اللَّه عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه ، وفي بيان أن هذا القرآن من عنده - تعالى - وحده . . فقال - سبحانه - :

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 8 ص 243 .